مقالات

لماذا نكتب؟

أيوب يوسف  - كربلاء المقدسة

لماذا نكتبُ؟
سؤالٌ قديمٌ جديدٌ شغل أذهان الكتاب والأدباء منذ القدم ، وقد تعددت الإجابات عليه واختلفت باختلاف رغبات الناس من الكتاب والادباء واختلاف توجهاتهم وميولهم ، بل أن هناك من ألف كتبا في هذا الموضوع مثل ميريديث مارون وكتابه ( لماذا نكتب) وقد طُرح هذا السؤال على مجموعة من الكتاب والمؤلفين فجاءت أجوبتهم مختلفة.
فقد أجاب بعضهم : نحن نكتب لنخلد ولنتغلب على الموت ، لأن نتاج الانسان الفكري والمعرفي أو الأدبي سيكون دليلا عليه وشاهدا على خلوده بعد موت جسده ، وقال آخرون أن الكتابة تدوين لذات الكاتب وتعبيرا عن مضمونه وعن روحه وإحساسه ، فهي بهذا المعنى تمثل الإنسان جسدا وروحا ، وأجاب آخر بأن السؤال يجب أن يُعكس فنسأل: ( لماذا لا نكتب؟) إذ جعل عدم الكتابة هو غير المألوف وأن الكتابة من فطرة الإنسان ، وهناك إجابة مشاكسة مفادها أن الكتابة لعب ، فماذا يجيب الطفل لو سئل : لماذا تلعب؟
وأحيانا كثيرة يلجأ الإنسان إلى الكتابة عندما يتعرض لصدمة عنيفة تهزُّ كيانه فتتفجر مشاعره ولا يجد ما يخفف وطأة تلك الصدمة إلا بالتنفيس عن مشاعره المكبوتة بتدوينها.
ويطالعنا التأريخ عن الكثير من الكتاب الذين دونوا مآسي أهلهم وأقوامهم عندما تعرضوا لكوارث وأحداث جسام ، كما فعل اسامة بن منقذ عندما عاد إلى قريته بعد سفر فوجد زلزالا قد ضربها فدمر بنيانها وأهلك جلَّ أهلها فبكاهم بكتاب أسماه ( المنازل والديار ).
ولا يخفى على أحد ما مر به وطننا العزيز العراق من نكبات وكوارث وحروب أدت إلى إبادة أهله وتشريدهم بكل طوائفهم ، لا سيما ما مر به أخوتنا في الوطن و الألم من الطائفة الإيزيدية في سنجار بمدينة الموصل على أيدي أقبح فئة وجدت على هذه الأرض ( داعش ) الظلامِ والجهلِ والتخلف والإجرام ، فقد تعرضوا إلى إبادة حقيقية من قتل وتشريد وسبي وأسر ،و ما تعرضت له الإيزيديات من أبشع صور الظلم والإضطهاد بأسرهن وبيعهن واستعبادهن من أولائك الأجلاف.
إنها كارثة ألمت بنا ففجرت في داخل كل إنسان آلاما وأوجاعا لا تبرأ إلا بتدوينها لتكون شاهدة على عمق المأساة وعلى كفاح الإنسان ونضاله في سبيل التحرر والانعتاق.
ومما لا شكَّ فيه أن الإيزيديين فيهم الكتاب والمؤلفون الذين يرغبون في تخليد ما أصابهم والتعبير عن مشاعرهم لتصوير فاجعتهم بما حصل ، وكان منهم شاب أديب مخلص هو الأستاذ ( خالد الخالدي ) الذي كتب مجموعة من النصوص طبعت تحت عنوان ( بركان الشوق ) وكانت تلك مجموعته الأولى.
والآن بين يديك أيها القارئ العزيز مجموعة أخرى باسم ( عروس الإبادة ) وتضمنت مجموعة جديدة من النصوص تحت عنوان ( عروس الإبادة ) التي تتحدث في معظمها عن قصة شابة إيزيدية تعرضت إلى أبشع ألوان الظلم والاضطهاد على أيدي أوباش الأرض إنها( جيلان ) عروس الإبادة.
إنها مثال للعفة والشرف و الإباء والتضحية ، إذ رأت كيف أُعدم والدها وأخوتها أمام عينها وكيف تقتل النساء من أهلها بعد رفضهن الإنصياع لأفكار الدواعش الإجرامية ، ولأنها تحمل من الجمال ما يبهر أرادوها أن تكون غنيمة لأمراء السوء منهم ، لكن شرفها وعفتها أبت أن تكون سلعة رخيصة بيد أولائك الأوباش فقطَّعت شرايينها وماتت نازفةً دمَها رافضة أن تنزف كرامتها عند شهوات الأنذال.
إن من يطالع هذه النصوص سيجد فيها من السمات والعلامات التي تؤكد عمق المأساة باسلوب التراجيديا الواقعية الحزينة ، وسيجد مفردات الحزن تضج وتصرخ في ضمير الإنسانية مفردات مثل الموت والقتل والأسر والاغتصاب ، الظلام والضباب وألوان السواد الداجية ، وكأنها تنادي الإنسان في عمق إنسانيته وتقول انظر ماذا فعلت بنا انسانيتك الضائعة.
لكن برغم كل الحزن ستجد مصباحا للأمل والحياة والإنطلاق إلى السعادة والتفاؤل ستجد كلمات نابضة بالحياة مثل ، الصباح ، النجوم ، السماء ، الفراشة ، الابتسامة ، القمر ، إذ يقول في أحد النصوص:
جاء الصباح
وقبرك في الوسط الغربي
يوازي كل النجوم
في السماء
ثمة فراشة فقدت جناحها
رفعها الحزن
إلى الموت بالبكاء

وهو الذي شرب ماء العراق وتغذى بثماره وتنسم عبير هوائه تجده قد ذاب في هذا البلد وصار كأنه هو ، إذ يبكي وطنه الذبيح في نصه ( من مذابح الوطن ) فيقول:
مئة عام
ووطني المسكين
يتألم والحاكم
عارٍ من الأخلاق
وعلى عرشك يتربع
تعلمنا الصبر
من عواصف
تضرب شواطئك
من الألم
شعبك الفقير
كخبز أمي الأسمر
من محرقة إلى محرقة
والموت في شوارعك شائع.

والملفت أن الكاتب قد جاء بفقرات نصوصه مسجوعة إذ تنتهي كل فقرة بنفس الحرف الذي انتهت به الفقرات الأخرى.
وأخيرا أضع بين يديك عزيزي القارئ هذه الكتاب لتستمتع بقراءة الحزن الممزوج بالجمال ، ولأن المقام لا يسمح بالإطالة لذا آثرت الإيجاز ، ولولا ذلك لسلطت الضوء على الكثير مم جوانب الجمال في هذه المجموع.
أرجو للكاتب دوام التوفيق وتواصل الإبداع ، وأن أرى أعمالا أخرى تأخذ صداها في المجتمع الأدبي العراقي والعربي.

الكاتب

جميع المقالات تعبر عن رأي كتابها

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق