مقالات

الذكرى الخامسة لاستشهاد رمز المقاومة الايزيدية

سعد بابير

اواخر اكتوبر/تشرين الاول عام 2014،كنت واقفا امام باب الخيمة التي قمنا بتنصيبها على قمة جبل سنجار ( شنكال) لمعالجة المرضى ، الناجيات والجرحى الذين كانوا يسقطون في مواجهات مع تنظيم داعش باطراف جبل سنجار، في ذلك الاثناء شاعت الاخبار بين الايزيديين المحاصرين في جبل سنجار والمقاتلين في جبهات القتال ان قائد المقاومة الايزيدية في جبهة السكينية جنوب جبل سنجار ، مع عدد اخرين قد أصيبوا بجروح بليغة، جراء سقوط قذيفة هاون اطلقتها عناصر داعش وسقطت على نقطة تمركزهم، الامر الذي بث في نفسي الحيرة والتفكير بطريقة يمكن من خلالها الوصول الى الجرحى لمداواتهم دون التقرب من نقاط تواجد عناصر داعش، سيما ان جبل سنجار كان محاصرا من كافة الجهات ولم يكن هناك احد يصدق بان اي شخص ايزيدي في الجبل سوف ينجوا من ذلك الحصار.
قلت لصديق كان يرافقني، بانه ينبغي ان نصل الى الجرحى وان نقوم بمعالجتهم باي طريقة كانت، حيث انه ابدى استعداده للذهاب معي، قمنا باعداد بعد الادوية والادوات الجراحية و استقلنا احدى السيارات التي كانت تحتوي على كمية قليلة من البانزين وقررنا الذهاب الى جبه السكينية للمقاومة الايزيدية، في ذلك الاثناء صعد معنا البعض من المقاتلين الايزيدين مع اسلحتهم لغرض توفير الحماية لنا، ففي وعورة جبل سنجار المنسي وفي ظل تساقط الامطار بكثافة استطعنا ان نصل الى احدى الاودية العميقة في الجبل حيث انقطع الطريق هنا وقررنا ان نكمل المسيرة سيرا على الاقدام،لم نكن نشعر بالتعب والارهاق كل همنا كان الوصول الى الجرحى ومعالجتهم باسرع وقت قبل فوات الاوان، خاصة تضميد جرح قائد المقاومة الايزيدية(خيري شيخ خدرى) في جبهة جنوب جبل سنجار.
بعد السير على الاقدام لنحو ساعتين بين وديان وصخور جبل سنجار وصلنا الى مشارف منطقة كانت تسمى بـ(كيرا قيرانية)،في ذلك الاثناء تكلم هاتفيا احد المقاتلين الذين جاؤوا لحمايتنا مع مقاتل كان يرافق الجرحى، حيث انه كان مجهش بالبكاء وصدى صراخه كانت تملئ جبل سنجار. المتصل قال له : اخبرني ماذا حل بكم ؟!.
هل ان الجرحى في حالة خطرة؟ فصمت ذلك المقاتل دون ان يرد، وبعد برهة من الزمن وبنبرة طغت عليها الحزن الشديد، قال بان شيخ خيري استشهد والبقية في حياتكم!.
بسماع الخبر سقط الهاتف النقال من يد ذلك المقاتل وقال لنا انه استشهد وذهب الى مثواه الاخير،فانهمر الجميع بالبكاء.
لم يتبقى احد ولم يذرف الدموع على فقدان رمز من رموز المقاومة الايزيدية في جبل سنجار، حتى الصخور والاشجار ومزارع التبغ وينابيع المياه عبروا عن حزنهم على فقدان ذلك الانسان الفذ.

بندقيته التي كانت بمثابة عزرائيل بوجه داعش ايضا اصبحت يتيمة وهي الاخرى بكت، فصرخت فاستنجدت دون جدوى، الموت حق والارواح تذهب ولا ترجع.
شقيق شيخ خيري كان يدعى بشيخ ( ابراهيم) مع مقاتل اخر من بلدة سيبا شيخ خدرى يدعى ( عيسى) ايضا كانوا مصابين ويعانون من الالم والدم كان ينزف من جروحهم، فوصلنا اليهم وقمت بمعالجتهم وبقية المقاتلين كانوا يحملون جثة الشهيد شيخ خيري وهم يسيرون ورائنا.
وبعد المضيء في رحلة السير لساعات طويلة سالكين الطرق الوعرة في الجبل وصلنا الى احدى المنازل الطينية بالقرب من منطقة (كيرا قيرانية ) , فاتى صاحب المنزل لاستقبالنا وما ان دخلنا الى احدى الغرف في المنزل وجدنا ان الغرفة مكتظة بالمقاتلين الايزيدين وكل واحد منهم كان يضع بندقيته بجانبه, فقالوا لنا ” بشروا ماهي اخبار جبهة السكينية ؟ هل ان شيخ خيري ومقاتليه على ما يرام ؟ وبحزن عميق قال شقيق الشهيد ان “شيخ خيري عطاكم عمره , فبدأ جميع الموجودين في الغرفة بالبكاء واصبح الدموع تتساقط على الارض بغزارة فائقة , فغضب شقيق الشهيد وقال ” شيخ خيري استشهد دفاعا عن ارضه ودينه , انتم جميعكم مثله وبامكان اي مقاتل منكم ان يحل محله ويدافع عن ارضه وعرضه ببسالته وبشجاعة بندقيته , لماذا نحن هنا ونقاتل الاعداء, اذا هو لم يستشهد وانا لم استشهد وانتم لم تقعوا شهداء على هذه الارض الطاهرة , فمن يستعيد كرامتنا ومن يحرر اخواتنا ومن ينظف ارضنا من قذارة داعش.
حينها شيخ (ابراهيم ) كان يعلم بانه لا يوجد شخص بامكانه ان يحل محل شقيقه الذي نذر روحه قرباننا لبقاء دينه وكان الهدف من كلامه لبث روح الشجاعة والحماس في نفسية المقاتلين الايزيدين لمواصلة مسيرة المقاومة ضد الاعداء ومرتكبي جرائم الابادة الجماعية .

وفي الصباح اليوم التالي وصل جثمان الشهيد الى منطقة (سردشتي) في جبل سنجار (شنكال) ليتم نقلها على مثن مروحية عراقية الى اقليم كوردستان ويتم مراسيم دفنه في معبد لالش المقدس للديانة الايزيدية بصمت رهيب وحزن عميق وسط حضور جماهيري كبير من كافة فئات المجتمع الايزيدي.

وبهذه الحالة فقد الايزيدية بسالة رمز من رموز المقاومة الايزيدية ليبقى شجاعته وشجاعة بندقيته ذكرى تتغنى بها الاجيال القادمة ويتم احياءها سنويا احتفاءا بمواقفه وبسالته للدفاع عن بني جلدته في فترة حرجة من التاريخ الحديث لابناء الديانة الايزيدية.
الف رحمة على روح جميع شهداء ازيدخان والعار يلاحق المعتدين واعداء الانسانية الى ابد الدهر.

سعد بابير ٢٢- ١٠-٢٠١٩

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق