مقالات

الفقر والعائلة الكبيرة

صهيب خزيم

إذا سمعنا كلمة العائلة الكبيرة يعني ذلك بالنسبة لنا عائلة سعيدة تتكون من الجد والجدة حتى أولاد اولادهن ، يجلسون على طاولة كبيرة ويأكلون مع بعض بشهية ، لكل منهم غرف وأشياء خاصة واحتياجاتهم ملبية بكامل أوصافها ويمكن لآب واحد لديه ثمانية أطفال ولا ينقصهم شيء ونرى أطفالهم يدخلون احسن المدارس ويتربون على احسن تربية ويكونون في حضن والداهم مع عودتهم الى المنزل في اخر كل يوم .

حتى بعد بلوغ الأطفال حين يكون لدى الوالد معاش رسمي لا يسمح لأطفالهِ بالعمل ولا التفكير حتى في شيء كهذا الى ان يتخرج ويصبح موظفاً ليسهل له حياتهُ ، مع ذلك يحاول الوالد ان يلبي رغباتهم ويعمل على ان يصبح حياتهم رفاهية وخالية من الأفعال السلبية .

إذا دخل الفقر في العائلة الكبيرة وهنا سأبدأ بقصتي التي هي أفضل من النظريات والحكم والأقوال وهي مثال حي :-

كنتُ صغيراً حينها لم ادخل المدرسة للتعليم اخرج من المنزل صباحاً واعود الظهر وبعد ذلك اخرج حتى المساء وعند عودتي كانت أمي تقوم بمعاتبتي لماذا أوسخت نفسك؟ تعرف أننا نشتري كل يوم أدوات الغسيل !

لم أكن اعرف ما معنى ذلك كنت أقول لها كنا نلعب على التراب يا أمي لذلك أصبحتُ بهذا الشكل كانت تقول ولدي يجب عليك ان تعرف ان والدك ليس لديه نقود كافية لك ولأخوانك وأخواتك ملابس جديدة لذا لا تمزق ملابسك الجديدة .

فكرت بيني وبين نفسي وقلت أليس والدي رجلآ!

لماذا تقول أمي ليس لديه المال ليشتري لك ملابس جديدة لطالما كنتُ ألوم والدي منذُ ذلك الحين لعدم توفير متطلباتي ولم اعرف حينها شيء عن الحياة فقط حقدي لوالدي لعدم تلبي رغباتي عدت السنوات وبلغت بما فيه الكفاية لأستطيع فهم ماذا يعني ان تكون فقيرآ اتذكر لحد الان حين تسجيل أسمي للمدرسة لم تكن حينها الأشياء متوفرة كما الان ، كان ملفي ينقصهُ الصور الشخصية ليكمل ولكن كان في وقتها يجب عليك الذهاب بعيدآ عن المنطقة لأخذ الصور وكان أخذ الصور يحتاج مالآ فذهبت أمي حينها الى منزل أختها وأخذت ثلاثة صور من صور أبنها لتُلصق على ملفي ليكمل ودخلت المدرسة بتلك الصور وعند دخولي للمدرسة أخبرنا الأستاذ لكل مادة دفتر ملاحظات ويجب عليكم شراءها كنت اعلم ان والدي سيشتري لي سبق و رأيت يشتري كل الاحتياجات لأخوتي وبكثرة سبق وحقدت اخوتي بسبب والدي لانهم سبقوني بالدخول إلى المدرسة قبل ان ادخل وكان يشتري لهم ولم يشتري لي فكرت حينها والدي لا يحبني يحب الأكبر سنآ كان في وجهة نظري هكذا ومع مرور الأيام ادركت ان اخوتي كانوا اشد احتياجاً مني وعلمت ذلك مؤخراً بعد أن استوعبت طبيعة الحياة.

بدأت في الدراسة مع ملابس واقلام ودفاتر جديدة ولكن كانت تنقصني حقيبة لوضع الدفاتر والكتب فيها فأخبرت أمي بذلك كانت أمي تعلم ان ليس هناك نقود في جيب والدي لذلك صنعت لي حقيبة من قطعة قماش وزينتها وبدأت كأنها جديدة وكانت شكلها تبدو رائعآ واعود بها من المدرسة مفرحاً .

ذات مرة من المرات عدت من المدرسة رأيت والدي يحرث الأرض فذهبت اليه وسألني كيف كان يومك في المدرسة قلت له كان جيدآ لطالما كانت دائمآ أمي تخبرني (لا شيء سيفيدكم سوى الدراسة) جلس والدي بجانبي و اخبرني وقال أبني يجب عليك ان تتفوق في دراستك ربما الان لا تعلم المعاناة التي نمر بها ولكن حتمآ ستدرك ذلك يومآ ما قال لي والدي لقد اهملت دراستي لأن والدي كان لديه ثروة كبيرة وبقيت هكذا بدون دراسة كنتُ أظن ان حياتي ستصبح هكذا و لن يفقد والدي ثروته الى ان أتى اليوم الذي أصبحت فيه فقيرآ !

كلامه لحد الان يتردد في ذهني (إذا اهملت دراستك ستصبح مثلي ) ….لم افهم شيء من الجملة إلا بعد فوات الاوان.

تعاركنا انا وصديقي وفي لحظة غضب قال لي صديقي اذهب (( والدك مديون )) ذهبت الى البيت و سألت أمي ماذا تعني هذه الكلمة فقالت لي أمي لا يأتيه المال من اي مكان وليس لديه راتب ثابت لذلك يدين من أهل القرية كي يشتري لكم احتياجاتكم والأرض الذي حرثهُ كان من اجل طعامكم سيزرع الخضار فيه كي لا تحتاجون احد من اجل الطعام ومن وقتها كأنه اشتعل شيء ما في صدري ، الكلمات التي قالتها والدتي في ذلك الوقت لحد الأن تردد في سمعي …
جاء اخي الأكبر الى البيت مسرعاً تكلم مع أمي وقال لها سأذهب للعمل والدتي ترددت في القول وقالت حسنآ ولدي ولكن ما هو العمل لم يخبر والدتي خوفآ من رفضها للعمل ليذهب في الصباح الباكر الى العمل وكنت ارى والدتي تبكي بحرقة وتقول أبني الصغير لم يعرف الأبتعاد عني، بعد مرور شهر عاد اخي الى البيت وقد اشترى لنفسه ملابس أنيقة وذهب الى والدي لإعطاهِ المال ورأيت والدتي تقول لوالدي سدد البعض من ديونك أصحاب الديون كل فترة يقولون لم يدفع لنا المال و كل الناس أصبحت تعرف هذا الشيء .
اثناء عودتي من المدرسة ومروري أمام محل شخص كان يعطني كل فترة ورقة مكتوب عليها رقم ولم اعرف ما هي كان يقول قل لوالدك أرسل لك فلان السلام وقال أعطيه هذه الورقة وتذكرت حين أمي كانت تقول لوالدي سدد الديون !

اتيت الى والدي وأخبرته بما اخبرني ذلك الشخص ورأيت كيف تغيرت ملامح وجهه واخبرني بغضب لماذا اتيت بالورقة كنت اخاف الرد فبقيت صامتآ أراه بعد كل مرة ينظر الى المبلغ المكتوب على الورقة ويمزقها وعند عودتي في كل مرة من المدرسة فكرت بسلك طريق اخر كي لا يراني ذلك الشخص، ذات مرة فجأة ظهر في وجهي و قال بغضب قل لوالدك ( ماذا فعل) و أعطاني تلك الورقة مجددآ و انا في طريقي الى المنزل مزقتها و لم اخبر والدي عرفت معاناة والدي حين كان ينظر الى الورقة ..

ومع مرور الأيام ادركت كل شيء و لم اطلب من والدي ملابس كنت اذهب الى صديقي و أخذ منهُ ملابسه القديمة لأقضي حاجتي المدرسية ففي الصغر لم افهم ان الفقر ليس عيبآ لطالما بقيت وحيدآ بعيدآ عن أصدقائي الذين كانوا يسخرون مني بسبب والدي فكان مجبرآ على ان يدين فكانت عائلتي كبيرة بما فيه الكفاية لطالما حقد اخوتي بعضهم لبعض لسبب شراء والدي ملابس للبعض ولم يشتري للأخر كم كانت والدتي قوية حينما كانوا يشكون إليها و بقت بتلك القوة حتى في هذه اللحظة لا زالت تعاني من هذهِ المشكلة ولكنها تحاول باستمرار إخفائها عنا …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق