مقالات

أخيرة الزمان

حسن النوّاب

مقالي على أخيرة الزمان
السلامة للجميع🙏🏽

كلام صريح
المضحُّون
في عزلتنا الإجبارية ننشدُ البقاء على قيد الحياة، لكي لا يفتك بنا هذا الڤايروس الخبيث، نأكل ونشرب ما تيسَّر لدينا وحسب الدخل لكل أسرة، فهناك من يتناول مالذَّ وطاب من طعام؛ وهناك من لا يدخل إلى معدته سوى الخبز والقوت البسيط؛ عوائل ثريَّة توفَّرت لها كل وسائل الراحة والترفيه في قصورها الفخمة، وعوائل فقيرة تنتظر من يطرق عليها الباب لينقذها من جوع يكاد يفتك بها، فالعوائل المُعدمة تقاوم الجوع والڤايروس في آن واحد، وكان الله في عونها، ومع كل هذه المعاناة فهي أفضل حالاً من أولئك الشجعان الذين يقفون في الخط الأول للدفاع عن الناس من هذا الوباء الأعمى والجائحة التي لا ترحم، وأعني بهم من الأطباء والممرضين والممرضات في المشافي، ورجال الأمن الذين يضبطون ويراقبون حركة منع التجوال في جميع المدن، فهم على تماس مباشر مع هذا الڤايروس اللعين؛ وثمَّة فئة أخرى لم ننتبه إلى تضحياتهم وخطورة عملهم، أولئك الذين يقدمون الرعاية للأطفال والأحداث المتخلفين عقلياً والأيتام والمسنين والكهول في دور الرعاية الاجتماعية، لكن أخطر من يواجهون احتمالية هجوم الڤايروس عليهم، أولئك الذين يتعاملون مع المتخلفين عقليا في مشفى المجانين وأصحاب الإعاقة الجسدية. ذلك من الصعب السيطرة على سلوك المجانين والمتخلفين عقليًا، ومن تجربة واقعية سمعتُ عن المعاناة التي يتكبدها موظفو الخدمة مع الفئات المتخلفة عقلياً، حيث يعمل اثنان من أبناء أختي كمراقبين في دار الحنان بمحافظة كربلاء، والتي تضم مئة وخمسين مستفيداً من ذوي الاحتياجات الخاصة الشديدي العوق، وهما يواصلان الليل بالنهار مع موظفي خدمة آخرين لتقديم المعونة من إطعام وتنظيف واستحمام وتبديل ملابس وحتى حفَّاظات البراز لأولئك الذين حرموا من نعمة العقل، وهي خدمات شاقة وعسيرة ناهيك عمَّا يتلقونه من سلوك عدواني من قبل بعض المعوقين، كل هذه الأعمال المرهقة والخدمات الجليلة مقابل رواتب شحيحة لا تتناسب مع التضحيات التي يقدمها هؤلاء المضحون في كل شيء، ودعونا نعترف أنَّ هكذا خدمات وأعمال مقرفة يتجنبها الجميع، والبرهان أنَّ دور العجزة وكبار السن في دولة أوربية متقدمة مثل أسبانيا، شهدت جريمة إنسانية بحق هؤلاء الكهول مع تفشي ڤايروس كورونا هناك، حيث أعلنت وزارة الدفاع في إسبانيا أن عسكريين ممن يساعدون في مكافحة انتشار وباء كورونا، عثروا على نزلاء دور لرعاية المُسنّين بدون من يرعاهم، وآخرين موتى على أسرّتهم أثناء تفقده لتلك الأمكنة التي ترعى المسنين مع هروب جميع العاملين فيها؛ في حين يواصل هؤلاء الإنسانيون تقديم خدماتهم لهذه الفئة من شديدي العقوق، برغم معاناتهم من عدم توفير أبسط مقومات الوقاية لهم، فلا كمَّامات لديهم ولا ملابس خاصة تدرأ عنهم هذا الوباء الخطير، ليلة أمس وصل ابن اختي من عمله منهكاً؛ فطلبتُ منهُ الذهاب إلى الحمَّام فورًا والاغتسال والتطهير والتخلص من ملابسه، لا أخفيكم أنَّ إقامتي في بيت أختي محفوفة بالمخاطر، مع وجود اثنين من العائلة على تماس مباشر مع الفئات الشديدة العوق الجسدي والذهني، وأنَّ احتمال الإصابة بالڤايروس المميت واردة جدًا، مع الظروف المحيطة بي، لكني مع ذلك أشعر بالفخر لأن أبناء أختي يقومان بعمل إنساني عظيم يخشاهُ الكثير من الناس، حفظهما الله وحفظ جميع الذين يقفون في الخط الأول بمواجهة هذا الوباء المرعب، وحفظ البشرية جميعًا. سنهزم هذه الجائحة بصبرنا وبمزيد من الأمل.

حسن النوَّاب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق