مقالات

ثقافة المجاملات

بقلم مهند صلاح

طريقان لا ثالث لهما .. طريق يوصلك للشهرة و المال و سدة الحكم .. فتبيع عندها قلمك و فكرك و مبادئك و ضميرك و تصبح عبدا للاخر الذي يتحكم بك لأنك بعته ما سلف مقدما , و طريق آخر يوصلك للحقيقة و الرضا و النجاح .. فتكسب قلمك و فكرك و مبادئك و تصبح حرا لا يستطيع أحد أن يملي عليك ما تكتبه لترسم مشروعك الفكري و الثقافي .. طريقان علينا أن نختار أحدهما بمجرد أن نمارس الفعل الكتابي , و لأن يد الزيف تمتد دائما لتنتشل المواهب و تصنع منها نسخا طبق الاصل لتغطي على حقيقتها , كان لا بد أن تكون هنالك يد أخرى تمسك بما تبقى أو تنتشل ما لم يفسد كاملا من تلك المواهب لتدلهم على الوجهة الصحيحة و تعبر بهم نحو الضفة الاخرى من المسار .. أن تكون لديك الرغبة في بناء أجيال تفتخر بترك بصمتك من خلالها فإن ذلك يتطلب شروعا حقيقيا في أن تفصل تماما بين التجربة الفكرية لأي موهبة مهما كان حجمها أو عمرها و بين علاقتك الاجتماعية و ميولاتك مع صاحب تلك التجربة , فمجرد أن تخترق عملية الفحص و القراءة و التلقي فعندها ستحيل تلك الموهبة أو التجربة الى مرحلة البناء الهش الذي سرعان ما سيندثر مع أول عقبة في الطريق .. نعم سيكرهك الكثيرون و يعتبرك غيرهم معقدا او مريضا نفسيا أو متكبرا , لأنك ستكون حديا في كل طروحاتك , و لأن التركيبة الاجتماعية للفرد تبحث دائما عمن يظهر لها الجانب المشرق فقط و يجعلها تقفز من أول السلم لآخره بطرفة عين . فالساحة الثقافية مليئة بالفاشلين و الطارئين و انصاف المثقفين , بينما يضعون جدارا عاليا و سميكا أمام المثقف الحقيقي كي لا يراه أو يقرأ له أحد . فيبدأ هذا المثقف بالولوج لعوالم أخرى عابرا الحدود الزمكانية ليبحث بنفسه عن متلقي جيد مهما كلفه ذلك , و هنا كان من الضروري أن نفهم لماذا نكتب أصلا .. هل هي الحاجة للكتابة ؟ أم إنه واجبنا تجاه أفق ينتظر منا أن نوقد له مشاعل التنوير كي يسبر ظلمة الطريق ؟ أو ربما هي مجرد رغبات في أن تكون الكتابة مكملا شكليا للزيف الذي يملأ قوالب ممارساتنا اليومية ؟ .. علينا أن نعلم بأن الكتابة هي فعل يثور على ما يحيط به ليصنع فارقا موازيا , و إن هذا الفارق لا يقبل و لم يقبل للحظة واحدة أن تكون ( المجاملة ) نافذة يطل من خلالها ليصل الى بؤرة صناعة المستقبل .. أسماء لامعة مفرغة بالكامل من الجدوى تلهث خلف المال و الرغبات , و أسماء أخرى تتمايل بين الهنا و الهناك لأنها لا تريد أن تخسر أحدا حسب مفهومها , لذا علينا أن لا نستغرب بأن هذا الاسم أو ذاك لم يكن بمستوى الطموح , لأننا قد جاملنا حتى بقراءاتنا .. علينا أن نضع حدا فاصلا يتيح لنا تناول أي تجربة بمعزل عن كاتبها مهما كان إسمه لامعا , و هذا لن يتم الا اذا فصلنا بين النص كتجربة , و الكاتب كإسم .. فليس هنالك كاتب كبير , بل هنالك نص كبير و يستحق القراءة .. اذا قفزنا هذه العقدة فنحن بذلك نظمن إننا سنقدم لأجيال بكاملها منجزا يستحق الفخر , أما اذا جاملنا و تمادينا في افساح المجال أمام هذا الاسم أو ذاك ليؤثر على تركيبتنا القرائية فإننا بذلك سنبني أساسا مليئا بالثغرات سرعان ما سيهوي بما يحمله بمرور الزمن .. لذا علينا أن نتدارك ما تبقى من حياتنا لنعكس المسارات التي ستحدد ما سنورثه و بالتالي فإن هذا الميراث بكل محتواه سيكون أما منجزا يستحق الثناء أو سرابا سنلعن من خلاله “

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق